الشنقيطي

366

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

إلا تكن ورق يوما أجود بها * للسائلين فإني لين العود لا يعدم السائلون الخير من خلقي * إما نوالى وإما حسن مردودي والآية الكريمة تشير إلى أنه صلى اللّه عليه وسلم لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطى منه ، وأن الرزق المنتظر إذا يسره اللّه فإنه يعطيهم منه ، ولا يعرض عنهم . وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق . وقال القرطبي : قولا مَيْسُوراً ( 28 ) مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون . وقد علمت مما قررنا أن قوله : ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ متعلق بفعل الشرط الذي هو تُعْرِضَنَّ لا بجزاء الشرط . وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه . ومعنى ذلك : فقل لهم قولا ميسورا ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ؛ أي يسر عليهم والطف بهم ؛ لابتغائك بذلك رحمة اللّه . ورد ذلك عليه أبو حيان في « البحر المحيط » بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله . قال : لا يجوز في قولك إن يقم فاضرب خالدا - أن تقول : إن يقم خالدا فاضرب . وهذا منصوص عليه - انتهى . عن سعيد بن جبير رحمه اللّه : أن الضمير في قوله وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [ الإسراء : 28 ] راجع للكفار ؛ أي إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك ، أي نصر لك عليهم ، أو هداية من اللّه لهم . وعلى هذا فالقول الميسور : المداراة باللسان ؛ قاله أبو سليمان الدمشقي ، انتهى من البحر . ويسر بالتخفيف يكون لازما ومتعديا ، وميسور من المتعدي ؛ تقول : يسرت لك كذا إذا أعددته ؛ قاله أبو حيان أيضا . قوله تعالى : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً ( 33 ) [ 33 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من قتل مظلوما فقد جعل اللّه لوليه سلطانا ، ونهاه عن الإسراف في القتل ، ووعده بأنه منصور . والنهي عن الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور : الأولى - أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد ، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية ؛ كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة : بؤ بشسع نعل كليب ؛ فغضب الحارث بن عباد ، وقال قصيدته المشهورة : قربا مربط النعامة مني * لقحت حرب وائل عن حيال قربا مربط النعامة مني * إن بيع الكرام بالشسع غالي الخ .